الثلاثاء، 4 سبتمبر 2012

لقد خاننا القمر




    لقد خاننا القمر
    تتصاعد ضحكات صافية من القلب من أمى وخالتى تملأ فراغ البيت وتصطدم بالجدران فترتد علينا معشر الصغار أنسا وسرورا.

تنقضى
    الأمسية سريعا ويغلبنى النعاس فأغفو فى أى مكان. حتى تأتى تلك اللحظة التى توقظنى فيها أمى.
    وتغسل وجهى بالماء البارد.
    تتبادل القبلات مع أختها ويمتد الحديث قليلا عند باب الخروج الموارب بينما أنتظرها ضجرا.
    نهبط الدرج فى خطوات مكتومة وأنا أنظر إلى الأبواب الموصدة. أخرج إلى المدخل المتسع وألقى نظرة سريعة على مرآة جانبية.
    ثم يقابلنى الليل ببرودته ورائحته المميزة فينتبه وعيى قليلا. الدرب خال تقريبا والطريق إلى بيتنا يوشك أن يكون مستقيما،

والسيارات
    نادرا ما تمر فى هذا الوقت من الليل. وبرغم ذلك تمسك أمى يدى بقوة. ألاحظ أشياء كثيرة بحس الأطفال المضخم.
    تتبدل ظلالنا من لحظة لأخرى فأصير عملاقة ويتملكنى السرور لذلك. أرفع رأسى إلى القبة السماوية الداكنة المثقوبة بالنجوم

اللامعة.
    والقمر يسير معى خطوة بخطوة. ملامحه تبتسم لى. وأحيانا يبدو غاضبا.
    أسأل أمى فى فضول:
    - لماذا يسير القمر معنا يا أمى ؟
    فتجيب فى سرور وأذناها الصغيرتان تسمعان أصداء الضحكات السعيدة:
    - لأنه يحبنا.
    وأهز رأسى موافقة وفى داخلى أعتبر نفسى صديقة قديمة للقمر. ألاحظ منازله المتغيرة ليلة بعد ليلة.
    وبشكل ما أعتبر الكون بيتى الكبير.
    يبدأ مع بيتى وينتهى عند بيت خالتي.
    عند نقطة معينة فى الطريق يهاجمنى عطر الياسمين الذى يفوح من حديقة مجاورة. يصاحبنى لمسافة لا بأس بها حتى تلوح لى

شرفة منزلى
    الغارقة فى الظلام.
    تعالج أمى الباب بمفتاحها فأنسل بسرعة مسرعة إلى غرفتى لأرتمى تحت اللحاف ومتلذذة ببرودة الفراش التى تقتبس من حرارة

جسدى.
    وفى دقائق معدودة أكون قد نمت.
    أيامنا تمر.
    تختفى المنمنمات من حياتى وتبهت ألوان السجادة الزاهية.
    أمى ماتت وعبثا ما تفتش يدى عن يدها الصغيرة فى الفراغ.
    الدرب ازدحم بالسيارات
    والطرقات امتلأت عن آخرها بشباب عابث.
    وكل فسائل الياسمين تم اغتيالها.
    فيلات الحى الهادئ تهدمت ليرتفع مكانها بنايات عالية.
    والضحكات السعيدة غادرت الكوكب الأرضى إلى الفضاء السحيق ليسمعها سكان الكواكب البعيدة فيقولون فى حسد: أهل الأرض

سعداء.
    بيتى القديم تحول إلى شركة كمبيوتر أتجنب المرور جواره.
    قلبى بارد كنجم منكدر لا يمنح فراشى ولا ضلوعى الدفء.
    ويروعنى أن أكتشف أن الكون ليس بيتى الكبير كما كنت أتوهم
    وحتما فى درب آخر
    تسير طفلة جديدة مع أمها تشد على يدها فى قوة،
    ترفع رأسها إلى القمر فى ود،
    ثم تهمس لأمها باكتشافها الخطير:
    - القمر يسير معنا يا أمي!
    هذة هى لوكاندة الحياة التى تستقبل الزوار وترحب بهم، تمنحهم الدفء والأحلام والأمنيات فإذا استغرقوا فى وهم أنهم أصحاب

البيت
    وجدوا أنفسهم خارجه.
    يستقبل زوارا آخرين لا يشعر برحيلهم.كلمات تقال جيلا بعد جيل.
    تغادر الضحكات الكوكب الأرضى إلى الفضاء السحيق.
    القمر يخوننا،
    لا شك فى هذا.
    أهتف لأمى هناك فى مرقدها البعيد: القمر لا يعبأ بنا يا أمى الحبيبة.
    اين انتى ياامى الحبيبة
    واين القمر
    لقد خاننا القمر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق