الجمعة، 28 ديسمبر 2012

رسالة من ألمانيا إلى الإخوان المسلمين

حامد عبد الصمد

 

رسالة من ألمانيا إلى الإخوان المسلمين

الجمعة، 28 ديسمبر 2012 - 20:31

عندما كنت طالباً فى جامعة عين شمس فى أوائل التسعينات لم يكن لدى خيار آخر إلا أن أنبهر بكم. جئت صبياً من الريف للدراسة فى القاهرة فأدارت إلىّ المدينة ظهرها البارد وعلمتنى الخوف من شوارعها وأضوائها ومزاجها المتقلب. وجدتكم – بل أنتم وجدتونى – وملأتم فراغاً سياسياً واجتماعياً ووجدانياً فى حياتى. سياسياً وعدتونى بتغيير مصر تغييراً جذرياً وتحرير القدس وجمع شتات مسلمى العالم من المغرب إلى أندونيسيا تحت راية الإسلام. وجدت عندكم الفرصة الوحيدة للمشاركة السياسية بعد أن أغلق نظام مبارك كل الأبواب أمام شباب جيلى. اجتماعياً وعدتونى أن أتحول من شخص نكرة لا يشعر المجتمع بوجوده إلى شخص فعال يغير نفسه وبلده. أوحيتم لى أنى سأتحول من شخص ضعيف الجسد إلى أسد جسور، إلى جندى من جنود الله. ووجدانياً احطتونى بعائلة كبيرة من الإخوة الذين يمدون يد العون ولا يبخلون بعبارات المحبة. أعجبنى سخاؤكم فى الإنفاق على اليتيم والمحتاج ومداواة المريض. سافرت معكم إلى الفيوم والسويس والمنصورة والقناطر. هربت فى معسكراتكم من وطن لا ينصت إلى وبحثت عن المدينة الفاضلة فى خطب قادتكم ومريديكم.
وبعد عامين من المعسكرات واللهث والصلوات والأناشيد، لم أر تغييراً فيكم أو بكم. أحسست أنكم مثل عرّافة بارعة تعرف كيف تتاجر بأحلام الصغار السذج ومخاوف العجائز قليلى الحيلة. عرّافة لا تعرف شيئاً ولكنها تتنبأ للجميع بنفس المصير. ورأيت أن جمعياتكم الخيرية لا تحارب الفقر بل تنظمه إدارياً. تأكدت أنكم لن تثوروا على مبارك ونظامه، لأنكم صرتم أنفسكم نظاماً داخل النظام يستفيد من اللاتغيير ويتبع مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة". بل رأيتكم تطيلوا من أجل مبارك بتخدير الناس بأحلام الإصلاح العقيمة التى لا تترجم إلى أفعال.

تركت مصر بعد أن كفرت بالتغيير وقررت أن أصير أوروبياً. أكملت دراستى بألمانيا وعملت بالجامعة هناك وقطعت علاقتى بمصر تقريباً. فقدت إيمانى بالتحول، صرت فقط أنتظرانفجار قنبلة الانهيار الموقوتة.

وعندما كنت أستعد للاحتفال بعيد ميلادى الأربعين فى شتاء ميونيخ البعيد جائتنى دعوة على الفيسبوك للمشاركة فى ثورة مصر يوم 25 يناير عام 2011. ضحكت فى قرارة نفسى على شباب الفيسبوك الساذج الذى كان يخطط لثورة وكأنه يلعب "فيديو جيم". ولكن بقايا الحلم القديم بدأت تراودنى وأجبرتنى على شراء تذاكر السفر للقاهرة فوراً. قلت لنفسى: إعط مصر فرصة أخيرة. لم أكن أعلم أن مصر هى التى قررت أن تعطينى فرصة أخرى كى أهرب من هروبى منها. رأيت مئات الآلاف من شابات وشباب مصر الذين لم أعرفهم.
أبناء جيل جديد يحلمون بأفق جديد، قرروا أن يثوروا على كل قديم حاكم كان أو معارض. نعم لقد كانت ثورة ضد سياسة "محلك سر" التى كنتم أنتم أيضاً جزءأ منها لعقود طويلة. شباب كان لا يتحدث عن التضحية فى المؤتمرات السرية ثم يختبئ وقت المواجهة، بل قدم دمه وعيونه أضحية على محراب الحرية. شباب أزال رائحة العفن من الشوارع بصدقه وإيمانه. آمنت بمصر وآمنت بالتغيير وأنا أسير خلفهم نحو ميدان التحرير، بينما أنتم تجلسون فى الغرف الخلفية وعيونكم حائرة بين كفتى الميزان. هناك بين خيم الميدان وجدت ضالتى، وجدت مصر التى كنت أحلم بها. فى هذا المعسكر الذى دام أسبوعين احتفلت بعيد ميلادى الأربعين بين خير من أنجبت مصر ورأيت ميلاد وطن جديد لم تتمخض عنه معسكراتكم فى ثلاثة وثمانين عاما: رأيت حرية تامة، مساواة تامة ومسؤولية كاملة.

وعندما جئتم إلينا متأخرين رحبنا بكم واقتسمنا معكم كسرات الخبز. نظفنا معكم الميدان ودافعنا عنه سوياً ضد جمال وخيول مبارك وجعلناكم جزءاً من حلمنا. هناك كانت مصر على قلب رجل واحد، وكان الميدان دستورنا، ولكنكم سرعان ما نسيتم أيام الميدان ورحتم تلهثون خلف يوم حُنين. أعجبتكم كثرتكم وتعجلتم الغنائم، فتحالفتم مع المجلس العسكرى ضدنا واحتكمتم إلى مخاوف الناس فى الاستفتاء الأول بدلاً من الاحتكام لضمير الميدان. قسمتم الناس لمؤمن ومتآمر. وصممتم على انتخابات برلمانية سريعة ولم تزعجكم أنهار الدم فى ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء. وفى الإستفتاء الأخير فوتم على مصر فرصة جديدة للتفاوض الحقيقى حول أساسات البنيان الجديد. وزعتم عقود الإيجار وصكوك الغفران قبل أن يكتمل البناء وسميتم ذلك استقراراً.

هنئياً لكم بدستوركم الجديد، وهنيئاً لأنصاركم بالجنة التى دخلوها ثلاث مرات فى أقل من عامين. وهنيئاً لكم بالاستقرار على الطريقة المباركية: جمود وعناد وتعالى على كل من يخالف. ولكن دعونى أحذركم من نشوة الانتصارات الزائفة، فكما جئتم متأخرين للميدان، فقد جئتم أيضاً متأخرين للسلطة، فلا مزاج الشعب ولا شباب كسر حاجز الخوف ولا الوضع الاقتصادى لمصر يسمح بدكتاتور جديد.
بل إن شبابكم الصغير البرىء سوف ينقلب عليكم قريباً ويسألكم: أين الشريعة؟ أين القدس؟ أين الرخاء؟ أين الوحدة الإسلامية؟ ولن يجدوا منكم سوى عبارات ساذجة مثل الوصف البدائى لطائر النهضة الأسطورى. بعض هؤلاء الشباب سيهرب من سياسة محلك سر إلى الليبراليين وبعضهم سيهرب إلى الإسلاميين المسلحين. وعندها سيعضوكم بأنياب مسمومة. هؤلاء الشباب الذين أرسلتموهم ليأدبوا "أعداء الشريعة" أمام قصر الاتحادية سوف يؤدبكم أنتم قريباً لأنكم خدعتموهم باسم الشريعة. فكما علمتموهم أن يقسموا العالم لمؤمن وكافر وأن ينزعوا عن الكافر آدميته ويعاملوه كالأنعام، سوف يكفروكم وينزعوا عنكم آدميتكم حين يرونكم لا تبرون بقسمكم.

ترقبوا ميلاد جماعات جديدة مثل التكفير والهجرة والجهاد التى ولدت من أحشائكم مرة قبل ذلك لأنكم كنتم تدربون شبابكم على الجهاد دون أن تجاهدوا.

أما آن الأوان أن تستيقظوا وتتخلصوا من وسواسكم القهرى ودور الضحية المزمن؟ متى ستفهمون أن مصر أكبر وأعظم من الفقاعة التى تحبسون أنفسكم بداخلها؟ يا أيها الإخوان توبوا إلى الوطن توبة نصوحاً عسى شعبكم أن يكفر عنكم سيئاتكم. لقد أسقط جيل الفيسبوك مبارك بالغناء والفكاهة والتصميم، ولكن سقوطقم أنتم سيكون أكثر إيلاماً لكم ولمصر. فمعركتكم القادمة لن تكون فقط مع شباب متعلم مدجج باللابتوب والآى فون، وإنما ستكون مع شباب عاطل وجائع ضاق ذرعاً بسياسة محلك سر، وشباب سلفى وجهادى وعدتوه بدولة الله فلم يجد إلا إمبراطورية الإخوان. سيخرج عليكم هؤلاء الشباب بنفس المولوتوف والسيوف والخرطوش والحجارة التى أرسلتموه بها لحماية "الشرعية" وسينزع عنكم قناع الدين ويخطف منكم صولجان الحكم. عندها ستعضون أصابع الندم لأنكم فوّتم فرصة الحوار مع العقلاء أيام كانت مائدة الحوار مستديرة.

مازال لدينا القليل من الوقت، ولكن عقارب الساعة تقترب من الثانية عشرة. بعدها لن ينفعكم دور الضحية ولغة التخوين. لن تستطيعوا أن تتحصنوا ببعض الشعب ضد بعضه، وستعود السهام التى صوبتموها باسم الدين لصدور معارضيكم إليكم! ستدركون، ولكن بعد فوات الأوان، أن الدساتير ليست خنادقا تحفرونها ليسقط فيها أعداؤكم، و أن الشريعة ليست خدعة بصرية توهمون الشعب أنها حية تسعى.

لقد قررت الرجوع إلى مصر بكل ما اكتسبت من مال وعلم وخبرة كى أساهم فى إعادة بناء مصر. ومثلى آلاف من شباب مصر الذين هربوا منها بعد أن ضاقوا بها وضاقت بهم، يبحثون اليوم عن مكان جديد لهم بها. فلا تشغلونا بحربكم ولا تجعلوا مصر بلدا يفر منه الشباب مرة أخرى. مداوا إلينا يد العون فمصر تتسع لنا جميعاً وتجتاج إلينا جميعاً، وليكن لديكم بعض الثقة فيمن ليسوا منكم!

هذا ليس رجاءً من أقلية مهزومة ترفع الراية البيضاء، فنحن أقوياء وطويلى النفس، والحق والتاريخ معنا، ولكنه نداء من شخص يحب وطناً أنهكه العناد والعزة بالإثم لسنوات. وطنٌ يستحق أن يتنفس الحرية أخيراً. الحرية، ليس فقط كما تفسرونها أنتم، وإنما كما يرتضيها كل مواطن على أرض مصر رجلاً كان أم امرأة، مسلما كان أم مسيحياً أم يهودياً أم بهائياً أم لا دينى.

لسنا كفاراً ولستم خرافا.. بل كلانا بشر يحب الحياة ويحرص على مصلحة الوطن.. فتعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم: كلمة واحدة فقط: مصر!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق